القرطبي

186

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( وما تلك بيمينك ) قيل : كان هذا الخطاب من الله تعالى لموسى وحيا ، لأنه قال : ( فاستمع لما يوحى ) ولابد للنبي في نفسه من معجزة يعلم بها صحة نبوة نفسه ، فأراه في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك . ويجوز أن يكون ما أراه في الشجرة آية كافية له في نفسه ، ثم تكون اليد والعصا زيادة توكيد ، وبرهانا يلقى به قومه . واختلف في " ما " في قوله : ( وما تلك ) فقال الزجاج والفراء : هي اسم ناقص وصلت ب‍ " - يمينك " أي ما التي بيمينك ؟ وقال الفراء أيضا : " تلك " بمعنى هذه ، ولو قال : ما ذلك لجاز ، أي ما ذلك الشئ : ومقصود السؤال تقرير الامر حتى يقول موسى : هي عصاي ، لتثبت الحجة عليه بعد ما اعترف ، وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل . وقال ابن الجوهري وفي بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن ، فقيل له : ألقها لترى منها العجب فتعلم أنه لا ملك عليها ولا تنضاف إليك . وقرأ ابن أبي إسحاق : " عصي " على لغة هذيل ، ومثله " يا بشرى " ( 1 ) و " محيي " ( 2 ) وقد تقدم . وقرأ الحسن : " عصاي " بكسر الياء لالتقاء الساكنين . ومثل هذا قراءة حمزة : " وما أنتم بمصرخي " ( 3 ) [ إبراهيم : 22 ] . وعن ابن أبي إسحاق سكون الياء . الثانية - في هذه الآية دليل على جواب السؤال ( 4 ) بأكثر مما سئل ، لأنه لما قال : " وما تلك بيمينك يا موسى " ذكر معاني أربعة : وهي : إضافة العصا إليه ، وكان حقه أن يقول عصا ، والتوكؤ ، والهش والمآرب المطلقة . فذكر موسى من منافع عصاه عظمها وجمهورها وأجمل سائر ذلك . وفي الحديث سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) . وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت : ألهذا حج ؟ قال ( نعم ولك أجر ) . ومثله في الحديث كثير . الثالثة - قوله تعالى : ( أتوكأ عليها ) أي أتحامل عليها في المشي والوقوف ، ومنه الاتكاء ( وأهش بها ) " وأهش " أيضا ، ذكره النحاس . وهي قراءة النخعي ( 5 ) ، أي أخبط بها

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 152 وص 357 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 152 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 357 . ( 4 ) في ج وط وك وى : المسؤول . ( 5 ) وروى عن النخعي أيضا أنه قرأ : ( وأهش ) بضم الهمزة والشين من ( أهش ) رباعيا .